الوجه الآخر لميداليتنا … عنوان كتاب لبطل أوربا للجودو “باتريك رو” حول العنف الجسدي والنفسي في الرياضة

*صدر الكتاب في فرنسا في شهر آيار/ مايو من العام الجاري، 2023م

عندما شرع “باتريك رو” في تأليف كتابه (الوجه الآخر لميداليتنا)، كانت أحد الأهداف الرئيسية التي وضعها: (اجعل لتلك الكلمة التي لم تكن مسموعة، صوتاً)، وفي الكتاب، يروي بطل أوروبا في الجودو لوزن 60 كيلو لعام 1987م، والبالغ الآن الستين من عمره، قصة المعركة التي يقودها منذ ما يقرب من العشرين عاماً، بهدف وضع حد للعنف الجسدي والنفسي في الرياضة.

 يتضمن الكتاب عرض كثيف ومدعوم بشهادات، يصف أصحابها الإذلال والإهانات، والعقوبات الجسدية التي تعرضوا لها خلال تأهيلهم للبطولات، ويستعرض العلاقات المعقّدة القائمة بين الرياضيين الشباب، والمدربين، وبين المؤسسات والأهل، ويقترح مسارات عمل (لإعادة بناء رياضة أكثر أخلاقية).

الكتاب الصادر في شهر أيار/ مايو من العام الجاري/ 2023م، يستنكر بشكل خاص العنف الجسدي، والإهانات التي يتعرض لها الرياضيون في بعض مراكز التدريب والنوادي، التي تعمل على نقلهم إلى مستويات أعلى.

يقول “رو” أن نجوم الرياضة يظهرون بوجه ملمّع ومشرق، ولكن للجودو جانبها المظلم، والذي كشف عنه، عندما تحدث بإسهاب عن أبطال لعبة الجودو، من أمثال (تيدي رينيه، وكلاريس أغبينينو، أو رومان ديكو)، وقد أراد من ذلك كسر المحظور، ووضع الاتحادات الرياضية أمام مسؤولياتها في هذا الجانب،

كما دعا “باتريك”، والذي أسس جمعية لمساعدة الضحايا، اتحاد الجودو الفرنسي إلى إجراء إصلاحات عميقة.

يستند “رو” في كتابه الذي كتبه بالتعاون مع الخبيرة والمتخصّصة في علم النفس “كارين ريبيرانت”، إلى شهادات عديدة، من ضحايا أو شهود، ويُقسّم تلك الإهانات إلى إهانات لفظية، أي بالكلمات، والإهانات الجسدية ( حيث يخفون المعاملة العنيفة بأساليب تدريب زائفة )، ويعطي مثالاً على ذلك، حادثة جرت مع رياضية شابة، حيث بقيت مرمية على السجادة لمدة ساعة، دون أن تستطيع الدفاع عن نفسها، ولتخرج من الحلبة باللون الأزرق من رأسها حتى أخمص قدميها، وعندما تذهب لرؤية الطبيب، يكتب لها صفحة من شهادة طبية، ينصحها فيها بالركض إلى قسم الشرطة.

غلاف كتاب”الوجة الآخر لميدايتنا” باللغة الفرنسية

جمع “باتريك” حوالي ثلاثين شهادة خلال عام ونصف العام، تروي قصص ومعاناة، وقد أبلغ عنها السلطات التي لم تحرك ساكناً، ويقول في كتابه” (بين عامي 2004 – 2005م، تلقيت معلومات من قبل العديد من الأشخاص الرياضيين، يؤكّدون تعرضهم للعنف، والاعتداء الجنسي وسوء المعاملة، وفي كل مرة نجد أنفسنا في مواجهة السلطات، كانوا يتهمونا بأننا نريد تصفية حسابات، أو أننا لا نقول الحقيقة … وفي ذلك الحين، حاولت التحدث مع الاتحاد الرياضي، فذهبت بكل سذاجتي، ونقلت لهم ما عرفته، فكان جوابهم: “اذهب في طريقك، وتوقف عن النبش في هذه الأمور التافهة”)، ويوضح أيضاً: (يعلم الجميع أن في عالم الرياضة كما جميع العوالم، الجميع يعرف بعضهم بعض، وتضم الهيئات الإدارية في أغلب الأحيان، أعضاء كانوا سابقاً مدربين، ويحدث أن يصل ملفاً إلى طاولتهم، تخص شخصاً يعرفونه، الأمر الذي يطرح سؤالاً حول جدوى التحقيقات).

يبحث “رو” عن الحلول متسائلاً: ( أليس هناك حاجة ملحّة إلى لجنة تحقيق مستقلة، للحصول على تحليلات موضوعية؟)، ويؤكّد القول، أنه ورغم الادّعاءات بتشكيل لجان من علماء نفس، وقضاة أحداث ومحامين لمنع العنف، ووضع ميثاق حماية للقاصرين، وتوضيح الممارسات المقبولة وتلك غير المقبولة، وأرقام طوارىء، توقع عليها جميع الأندية المنضّمة للاتحاد، ولكنه يعتبرها إجراءات غير كافية: (الكل ضد العنف، ولكن من خلال تواصلنا مع اللاعبين الصغار، والتقارير التي تصلنا، نرى أن المشكلة لم تُحل، بل نرى جيلاً شاباً جديداً، مرّ من تحت أيدي أشخاص ذكرنا أسمائهم في تقارير الضحايا).

أحد المشاكل الرئيسة حسب رأي “رو” ناجمة عن تدريب المدربين، أو غياب التدريب: (إنهم غير مدربين بشكل كاف)، حسبما يؤكّد، و يقول: (لا يزال لدينا الكثير من المدربين الذين يبرزون مباشرة، لقد أنهيت تدريب رفيع المستوى، حصلت على تقدير عالٍ، أصبحت مدرباً في مراكز رئيسية)، ونتيجة لذلك، يرى “رو” أن التأهيل والتدريب غير كافٍ، ولا سيما في الجانب النفسي- التربوي، وبالتالي يوجد مدربون لا زالوا يمارسون الانتهاكات ذاتها، ويضيف قائلاً: (وبما أننا لم نجرِ إصلاح حقيقي، وعميق في تدريب المدربين، والكوادر الإدارية، فإنّنا لا زلنا ضمن دائرة الخطر،وحتى أحياناً باللاوعي، أي أنهم يقولون أشياء ويفعلون أشياء أخرى، وينقلونها للأطفال واليافعين، دون أن يولوا اهتماماً بأن هذا لم يعد مناسباً، وغير مقبول، ويختم بالقول: (من أين يأتي العنف؟ لم يأتِ أحد إلى عالم الرياضة ليعطينا إياه أو يفرضه علينا، نحن من حملنا هذا العنف في داخلنا).

باتريك رو

بلغة الأرقام، يقول “رو”: (إن اتحاد الجودو الفرنسي تلقى العام الماضي 52 تقريراً بحصول اعتداءات، وتشكّلت لجان، ولكن تم إلغاء عدد منها)، كما يتحدث عن اليابان، مهد لعبة الجودو، كاشفاً أن العدد الكبير للفضائح بالعنف الممارس بحق اللاعبين، قد أثار مؤخّراً مشكلة وجودية في تلك الرياضة، وبات الوضع مثيراً للقلق، بحيث أن اتحاد اللعبة ألغى البطولة الوطنية للفئات العمرية ما بين 10 – 12 عاماً، نظراً لأن عقول وأجساد الأطفال، قد خضعت للاختبار بشكل كبير.

من خلال هذا الكتاب، وما يظهره من تفاصيل، وما كشف عنه من أرقام وشهادات لتجارب حية، تبدو الصورة قاتمة، أكثر بكثير مما يُظهره الإعلام الرياضي، أو ما تنشره تقارير الاتحادات الرياضية، ومن الواضح جداً، أن عالم الرياضة يحتاج بصورة عاجلة إلى تبني تغييرات جذرية يتم من خلالها التركيز على الجانب التربوي والنفسي في التدريب، بقدر أهمية بناء القدرات البدنية، والأهم: وضع معايير صارمة لاختيار المدربين، وإقرار إجراءات عملية رقابية صارمة في بيئة التدريب، وخاصة التدريب الخاص بالأطفال واليافعين، لتجنيبهم المعاناة النفسية، وضمان أمانهم وسلامتهم.

*المصادر:

-النسخة الفرنسية من كتاب “الوجه الآخر لميداليتنا”، “باتريك رو” و”كارين ريبيرانت”، أيار/ مايو، 2023م.

-الموقع الإلكتروني الفرنسي: https://www.judoinside.com/judoka

*ترجمة وإعداد: دلال ابراهيم.