مسار الاعتداء الجنسي على الطفل

كيف يحدث الاعتداء الجنسي على الطفل؟ وما المسارات التي يمر بها ليحدث الاعتداء ويُصبح أمراً واقعاً؟

تناولت العديد من الدراسات، المسارات التي تتخذها عمليات الاعتداء الجنسي بمختلف أشكالها، وحدد بعض الدارسين مراحل أساسية تمر بها أغلب عمليات الاعتداء، وتحويل الطفل إلى ضحية استغلال جنسي،ويُمكن إجمالها بما يلي: 

أولاً- المسار الأساسي المتجسّد بخلق صلة ما مع الطفل

يحدث الاعتداء الجنسي على الطفل بشكل مقصود، ومخطط له، مع سبق الترّصد، ومن أول شروط إمكانية حدوثه، هو أن يختلِ المعتدي بالطفل، وسعياً وراء تحقيق هذه الخلوة،  يُغري المعتدي الطفل بدعوته إلى ممارسة نشاط معين كالمشاركة في لعبة مثلاً أو ما شابه ذلك، أو بالتقرب من الطفل بمنحه الهدايا والألعاب، وبعض الأشياء العينية التي قد يرغب بها الطفل، ومحرومٌ منها لأسباب عدة ترتبط بوضعه العائلي.  

 يتأكّد هذا المسار، عندما نعلم أن معظم المتحرشين جنسياً بالأطفال، هم أشخاص ذوو صلة بهم، وحتى في حالات التحرش الجنسي من قبل الغرباء (أي من خارج نطاق العائلة)، فإن المعتدي يسعى عادة إلى إنشاء صلة بالطفل، أما من خلال أحد والديه، أو أحد أفراد عائلته،   قبل أن يُبدي الاهتمام بالطفل، أو مرافقته إلى مكان عام يبدو آمن للغاية، كالحدائق العامة، أو الأندية الرياضية وساحات الألعاب العامة.

عندما تصدر المحاولة الأولى للتحرش بالطفل، وصولاً إلى عملية الاعتداء، من قبل شخص بالغ من أحد الأقارب، كالأب أو زوج الأم أو العم والخال، أو أي قريب آخر، فإنها تتزامن مع تطمينات مباشرة للطفل، بأن الأمر عادي، وغير مُشين، ولا عيب فيه، ويحدث مع الجميع، وغالباً ما تقابل هذه المحاولة بالاستجابة له، لأن الأطفال يميلون إلى الخضوع لسلطة البالغين، والمقربين منهم على وجه الخصوص، هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد يُرضي ذلك فضول الطفل وحبه للمغامرة والاستكشاف، وتحقيق نوع من الرضا الذاتي أنه يفعل ما يفعله الآخرون، وبذلك يُصبح التحذير من الاقتراب والثقة بالغرباء أمر غير ذي معنى وعبثي.

تلك الثقة “المُطلقة” من قبل الطفل في المحاولة الأولى، قد تبدأ بالتراجع والانحسارعند المحاولة الثانية، وقد يسعى الطفل للانسحاب والتراجع، ولكن فكرة “السرية”، والتأكيد الدائم عليها، والتحذيرات التي ترافقها، ستكون قد فعلت فعلها، وتركت أثرها في نفس الطفل وعقله، وهنا يحوّل المُعتدي الأمر إلى لعبة “السر الذي يجمعنا”، والذي يجب أن يبقى بيننا، وخطورة أن يعرف به الآخرون.

تبدأ عادة محاولات للتحرش الذي قد يصل إلى الاعتداء، بمداعبة الطفل، أو الطلب منه لمس أعضائة الحساسة، في محاولة من المعتدي لإقناعه بأن الأمر مجرد تسلية وأشبه باللعبة، وإنهما سيشتريان بعض الحلوى التي يفضلها مثلاً، أو أشياء يرغب بها الطفل، حالما تنتهي اللعبة.

في مسار آخر، يوجد أيضاً المعتدين الأكثر عنفاً وقسوةً، وخاصة الأكثر انحرافاً بينهم، فإنهم  يميلون لاستخدام أساليب العنف، والتهديد، والترويع لإخضاع الطفل وإجباره الرضوخ لأن يصبح موضوع لنزواتهم، وفي أغلب هذه الحالات يأخذ الطفل تهديداتهم بمنتهى الجدية،  وخاصة إذا كان قد شهد مظاهر عنف من قبلهم  ضد أمه، أو أحد أفراد أسرته، أو كان الطفل نفسه قد مرّ بخبرات تعنيف سابقة بأشكال مختلفة، ويخشى أن تعاود الكرّة إن رفض الخضوع للمعتدي.

ثانياً- التفاعل الجنسي

يرى بعض المتخصصين والدراسين، إن التحرش الجنسي بالأطفال، مثله مثل أي سلوك إدماني آخر، يأخذ طابعاً تصاعدياً مطّرداً، قد يبدأ بمداعبة الطفل، أو ملامسته، وثم يتحول إلى ممارسات جنسية كاملة (عملية الاتصال)، والتي تترك آثاراً عميقة، منها الحالة الإدمانية لدى الطفل نفسه للأسف، والذي بالرغم من عذاباته النفسية، والجسدية أحياناً، وتعرّضه للتعنيف المروّع أحياناً، يبدأ هو نفسه بالسعي إليها، لإشباع حاجته الملحة التي تحولت إلى حالة “إدمان”، وهنا تُصبح حوافز الأنا مندمجة مع الحاجات الجنسية، وهي غالباً ما تحدث عندما تجد رغبة جنسية ملحاحة، مقاومة شديدة من الموضوع، أو عندما تعوقها عقبات أخرى عن بلوغ هدفها، فهنا يحصل تطور دينامي هام: ففي البداية عنما يكف الدافع الجنسي عن بلوغ هدفه، يعمد الشخص إلى العنف والقسوة كي ينال الإشباع، ولاحقاً يصبح الإرضاء الجنسي مختلطاً إلى حدٍ بعيد مع الإرضاء الآخر، بحيث أن الاستيهامات والأفعال العنيفة، توقظ الرغبة الجنسية، وبهذه الآلية يُصبح الطفل خاضعاً للمُعتدي وطرفاً متفاعلاً معه في العملية الجنسية.

ثالثاً- السرية والكتمان

التأكيد على ضرورة المحافظة على السر هو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للمُعتدي، ليتجنب العواقب من جهة، وليضمن استمرار سطوته على الضحية من جهة أخرى، فكلّما ظل السر في طي الكتمان، كّلما أمكن المعتدي مواصلة سلوكه المنحرف إزاء الضحية.

كما أن المعتدي يعلم أن سلوكه مخالف للقانون، وليس فقط للأخلاق والمجتمع، فإنّه يبذل ما في وسعه، لإقناع الطفل بالعواقب السيئة التي يُمكن أن تحدث إذا انكشف هذا السر، موهماً الطفل أن العواقب السيئة ستطاله هو أيضاً.

في حين قد يستخدم المعتدون الأكثر عنفاً، تهديدات شخصية ضد الطفل، أو يهددونه بإلحاق الضرر بمن يحب، كشقيقه أو شقيقته، أو صديقه أو حتى أمه، في حال أفشى السر، وهنا يكون التلاعب بمشاعر الطفل وانفعالاته وبالتالي سلوكه قد وصل أعلى درجاته، ولا غرابة أن يقرّر الطفل الصمت، بعد كل هذا التهديد والترهيب، وغالباً ما يحتفظ بالسر دفينا داخله، إلا حين يبلغ الأذى والألم درجة لا يٌمكنه احتماله، أو إذا انكشف السر بطريقة ما، مصادفة أو لأي سبب آخر، وأغلب الأطفال لا يفشون السر طيلة حياتهم، أو بعد سنين طويلة جداً، وهذا ما نشهده اليوم من أخبار متواترة لقضايا رفعها بالغون، كانوا قد تعرضوا للاعتداء الجنسي خلال طفولتهم المبكرة، وذلك بعد مضي عشرات السنوات على هذا الحدث المؤلم.

كما تُعتبر تجربة الاعتداء الجنسي بالنسبة لبعض الأشخاص، وصمة خزي وعار، وشعور بالألم  يبلغ درجة تدفع الطفل إلى تعمّد تناسيها، وتجاهلها (أو دفنها في لاوعيه)، كنوع من الحماية الذاتية التي يقوم بها العقل للحفاظ على الذات، ولا تنكشف إلا بعد  سنوات طويلة، عندما يكبر الطفل المعتدى عليه، ويعاني من اضطرابات وآلام نفسية وعقلية وربما جسدية، ويكتشف طبيبه النفساني مثلاً أن تلك التجارب الطفولية الأليمة، هي أصل المشاكل النفسية العديدة التي يعانيها في كبره، أو أن يُلاحظ  المحيطين به، ظهور أفعال وردود أفعال لديه، لا يمكن أبداً تفسيرها على أنها صادرة من شخص سليم.

مبدأ السرية والكتمان، لا يخص شخصية الطفل وحده، وما يدور في ذهنه، بل ينسحب هذا المبدأ على الأهل والمحيطين بالطفل، إذا تُبين كل المتابعات لحالات الاعتداء الجنسي على الطفل، ميل أسرة الطفل ومحيطه القريب إلى كتمان هذا الأمر، ومن ثم تجاهله، والتعايش معه، ومن ثم المضي قدماً وكان الأمر لم يحدث، والغريب أنه في أكثر البيئات انفتاحاً، وشيوعاً للقانون وصرامة تطبيقه، نجد سريان هذا المبدأ، فحتى عندما يرفض الطفل الاعتداء علناً، ويلجأ إلى أي طرف لإنقاذه، فإنه يجد نفسه وحيداً تماماً، فأما يُنكر الأهل حدوث هذا الأمر، ولا يصدقون الطفل، ويفسرونه غالباً تفسيرات ترضي ذواتهم، وتُعيد لهم الطمأنينة بأن لا شيء خطير يحدث، وأما أن يأمرون الطفل بالتكتم وعدم الحديث عن هذا الأمر، وهكذا حتى لو تدخل الأهل أو طرف ما لحماية الطفل، يتم إهمال علاجه من هذا الرض النفسي الكبير الذي يلازمه طوال حياته، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المعتدي يبقى طليقاً، يُمارس اعتداءته ويستمر باصطياد ضحايا جدد، لذلك يُعتبر المجتمع المسؤول الأول عن الاعتداء، المجتمع بكل مؤسساته بدءاً من الأسرة، وصولاً إلى أعلى الهيئات المجتمعية والقانونية التي تتواطىء كلّها للتسّتر على الجريمة، وهذا ما نشهده في كل حالات الاعتداء الجنسي تقريباً، ولو استجابت أي من تلك المؤسسات المجتمعية لنداءات الطفل المبكرة، لما استفحل الأمر واستمر سنوات طويلة، وصلت لدى بعض المعتدين إلى أكثر من 30 سنة.

*المصادر:

*سيكولوجية العلاقات الجنسية، تأليف: ثيودور رانك، ترجمة: ثائر ديب، دمشق، دار المدى ، 2005م.

*التحرش الجنسي ـ الأسباب والعلاج، إعداد: وسام، شبكة المعالي الإسلامية، منتدى الأسرة، د. ت.