مدربون في قطاع الرياضة يؤكّدون على أهمية التوعية ووجود آليات للشكاوى في مشكلة الاعتداء الجنسي على الأطفال

*تحقيق صحفي

تُشير أغلب الدراسات، ومنها ما تم نشره في موقع نداء، إن المدربين الرياضيين يأتون في المرتبة الأولى بقائمة المتحرشين بالأطفال والناشئين في الأندية الرياضية، وهذا يتوافق أيضاً مع آراء وشهادات عدد من اللاعبين الذين تعرضوا للاعتداء الجنسي بأشكال مختلفة من مدربيهم، وفي مختلف أنواع الرياضات، ولذلك يتم التركيز غالباً في أغلبية سياسات حماية الأطفال في الرياضة، على عملية انتقاء المدربين، وضرورة تأهيلهم نفسياً وتربوياً، والتأكيد على رسم حدود صارمة تحدد المسافة بين المدرب والمتدرّب، وخاصة من صغار السن، وبناءً على هذه المعلومات، قامت نداء بالتوجه لعدد من المدربين، وطُرحت عليهم عدد من الأسئلة في هذا السياق، فكان التحقيق التالي:

فوارق بين الجنسين والمراحل العمرية

مدربة سباحة، تعمل في تدريب الأطفال والناشئين في مدينة إدلب السورية، تُدرب حالياً الإناث فقط، تقول عندما سألناها عن الفرق بين تدريب البالغات والفئات العمرية الأخرى من صغيرات السن: (الأطفال والناشئين تنقصهم المعرفة ببعض الأمور، وبالتالي هم عرضة للوقوع في الخطأ أكثر من البالغين، أو التعرض للاستغلال من قبل شخص ما، لذلك علي دائماً أن أكون منتبهة لهن، وأقوم بتوعيتهن دائماً، أما البالغات، فهن واعيات، مدركات لخصوصيتهن وخصوصية أجسادهن، لذلك تحتاج الطفلات جهد أكبر، ووسائل مختلفة لتقريب الأفكار لهن). وعن الفرق بين الجنسين في التدريب توضح:

 (عملت في مجال تدريب الجنسين، ولكن للصغار فقط،  لا يختلف الأمر كثيراً، لأن الصغار لديهم البراءة نفسها، ولكن عندما يصبحوا أكبر قليلاً، هناك صعوبة نوعاً ما، بالنسبة لملابس، وطريقة تدريبي، وطريقة التلامس مع جسد الطفل، فهذه أمور ينبغي للمدرب أن ينتبه لها، والفروق العمرية تتزامن مع فروق بالنمو الجسدي، وبالتالي يستدعي ذلك فرق بأسلوب وطريقة تعامل المدرب، الذي يجب أن يتكيّف وفقاً لهذه المتغيرات).

 

عن موضوع التحرش والاعتداء الجنسي على الأطفال، تقول المدربة أنه لم يمر معها أي تجربة من هذا النوع من المشكلات خلال عملها بالتدريب، وأنه ينبغي توعية الأطفال والأسرة بهذا الأمر، وعن دور القائمين على المسابح تقول:

( بالنسبة للمدربين، جميعهم على دراية بهذا الموضوع ويعملون عليه، أما القائمين على المسابح فهم يلتزمون بالمعايير العامة، ولكن لا يملكون الوعي الكامل بهذه المشكلة، وتوجد في المسابح غرف خاصة لتبديل الملابس، ويتواجد منقذين ومشرفين مع المدربين، كما  توجد كاميرات مراقبة في الساحة التي يتواجد فيها المسبح)، كما أشارت المدربة إلى وجود إجراءات السلامة الخاصة بالأطفال، ومنها خاص بالإناث على وجه التحديد من مثل: (  التصوير غير مسموح إلا بعد موافقة أولياء الأمور، وممنوع دخول أي ذكر إلى المسبح أثناء تواجد مجموعة الإناث، والأبواب محكمة الإغلاق وخاصة أبواب الحمامات..وغيرها)، وأكّدت المدربة ومن خلال خبرتها، على أن أغلب العائلات على دراية بموضوع التحرش والاعتداء الجنسي على الأطفال، ويقومون بتوعية أولادهم، وخاصة الإناث، ومع ذلك، تجد أنه من الضرورة تنظيم جلسات توعية  بشكل ٍمستمر، لكلٍ من الأسرة، والأطفال، والمدربين والقائمين على المسابح، وغيرها من منشآت رياضية.

مدرب سباحة آخر، من مدينة إدلب أيضاً، يقول عن الفرق بين البالغين والأطفال في سياق تدريبه للفئتين: ( إن الأطفال مُتعِبون قليلاً، بسبب أنه تنقصهم الدراية، والمعرفة الكافية بخصوصيتهم، أما البالغين، فالصعوبة أكبر، لأننا نخاف من تصرفاتهم، فإن كان لدى أحدهم بعض الأفكار أو تصرفات غير مقبولة، فهي تؤثر على الآخرين من المتدربين)، كما يؤكّد المدرب أن المسابح الموجودة في المدينة تتقيد بالمعايير الدولية المعروفة فيما يخص إجراءات السلامة، بنسبة أكثر من 90%، كما إن الأهل على دراية بقضايا الاستغلال الجنسي للأطفال، وإن كان بعضهم يحتاج بعض التوعية،  لكن غالبيتهم يسألون ويستفسرون حول إجراءات السلامة الخاصة بحماية الأطفال عند تسجيل أي من أبنائهم، ويؤكّد أيضاً على: (أنه من الضروري جداً، أن يكون ولي الأمر مع الطفل في أول زيارة للمسبح، ليعرف مدى جاهزية المكان، والاطمئنان لتوفر الشروط اللازمة للأمان، ولإرشاد طفله لبعض الأمور الواجب عليه التقيّد بها).

نقص في الضوابط والمعايير

السيد (أ. مروان) مدرب كاراتيه للأطفال والناشئين في إحدى مناطق ريف مدينة حماه، حول مشكلة التحرش والاعتداء الجنسي على الأطفال يقول:

(للأسف، بدأنا نقرأ ونسمع الكثير عن هذه المشكلة في أوساط الرياضة عموماً، وقد نجد نسب أعلى في رياضة الكاراتيه، لأن هذه الرياضة تتطلب تلامس جسدي بين المدرب والطفل أكثر من غيرها، وخاصة عندما يكون الأطفال من الفئات العمرية الصغيرة، أو من المبتدئين، ولذلك يجب وضع معايير صارمة وحدود واضحة لا يجب على المدرب تجاوزها)، وعن درجة وعي الأسرة والقائمين على الأندية الرياضية بهذه المشكلة، يعترف أنه ما زال هناك نقص كبير في الوعي والمعرفة حول هذه المشكلة، وإن الحاجة ماسة للتثقيف ورفع درجة الوعي بهذه المسألة، وبكل قضايا العنف والإساءة للأطفال، لأنها للأسف تنتشر بكثرة في كل الأندية الرياضية، ويؤكّد أنه سمع عن أكثر من قصة، وكلّها انتهت بمغادرة الطفل للنادي، وإغلاق الموضوع، وحول مسؤولية الاتحاد الرياضي والجهات الرسمية يقول:

(من المؤسف أنه لا توجد آليات واضحة لضبط مثل هذه الأمور، من قبل الاتحاد الرياضي العام، ومن اتحاد اللعبة نفسها، ويوجد تقصير كبير في المعايير والضوابط الموجودة، كما أنه لا توجد أي آليات للإبلاغ عن هذا النمط من المشكلات، وخاصة أنها مشكلة حساسة جداً، ولها أبعاد اجتماعية مختلفة، تطال كل الأطراف، النادي والطفل والأسرة وكل العاملين في النادي، ولكن غياب الآليات الواضحة للشكاوى، تجعل أي متضرر يتستّر على المشكلة، وكل ما يقوم به للتخلص منها هو أن يغادر النادي، ولذلك يبقى من تسبّب بالمشكلة طليقاً، حراً، يواصل أذيته، بينما يُحرم بعض الأطفال من الرياضة التي يحبونها، وتُحرم الأندية من مواهب مميزة)، ولذلك يؤكّد السيد “مروان” على ضرورة تفعيل آليات الرقابة، ووضع قوانين صارمة، وإجراءات واضحة للشكاوى وآليات التحقيق فيها بسرية تامة، لحماية الأطفال لأنهم الضحية الأكثر تضرراً، كما أن ذلك يُسيء لقطاع الرياضة وللمجتمع عموماً.

أهمية وجود خطوط حمراء في الرياضات التي تتطلب تلامس جسدي

من ريف حمص الشمالي، التقت “نداء” أحد مدربي ألعاب القوى للناشئين،  السيد “م. ع”، وهو يقوم بتدريب رياضة الجودو، إضافة إلى كونه مطلع على كافة أجواء التدريب في ألعاب القوى بنادي تلبيسة الرياضي، حول الوعي بوجود ظاهرة التحرش بالأطفال وتعرضهم للاعتداء الجنسي في الوسط الرياضي، قال: (نحن نسمع كل مدة زمنية عن حالات معينة، قد لا تُشكل ظواهر، ولكن لاشك أن هذا موجود، ولكن لا توجد إحصائيات دقيقة، ولا إخبار رسمي حتى يصلنا حول هذه الأمور، من قبل أي جهة رسمية، إضافة إلى أنه الإجراءات والضوابط التي تضبط عمل النوادي رسمياً، وقانونياً، لا تشمل إطلاقاً أي كلام عن هذه المشكلة، ولا حتى عن سوء معاملة الأطفال، أو عن العنف في الرياضة والذي نجده في كثير من الأندية وبكل الرياضات، ويشمل كل أطراف العملية الرياضية، بما فيها عنف الجمهور والذي يتوجه أحياناً للحكام وأحياناً أخرى إلى اللاعبين، حتى صغار السن منهم)، وعن خصوصية رياضة الجودو، يوضح:

(إن هذه الرياضة من الرياضات التي تستوجب تلامس بين المدرب وجسد المتدرّب، وهنا تكمن خصوصية أكثر من غيرها، وقد يكون من الصعب ضبط الحدود اللازمة لهذا التلامس، والذي تستوجبه عملية التدريب، وخاصة مع صغار السن والمبتدئين، إلا أنه ليس صعباً أيضاً تحديد خطوط حمراء من الواجب عدم تجاوزها، مثل لمس المناطق الحساسة بالجسم بحجة التدريب، ومثل اقتحام خصوصية الطفل خلال تبديل ملابسه بعد الانتهاء من التدريب… وغيرها من أمور واضحة جداً، وواضح فيها تجاوز الحدود).

يُصر السيد “م.ع” على أهمية أمرين: أولهما القوانين والضوابط والمعايير، وهذا واجب الجهات الرسمية، ووضع آليات واضحة، وسرية لتقديم الشكاوى ومعالجتها، من ثم الرقابة على تنفيذها، وهذه أمور يوجد فيها نقص كبير، وتقصير لا يحتاج إلى برهان، وثانيهما: ضرورة التوعية للأسرة، والطفل، والقائمين على الرياضة بمن فيهم المدربين، والحاجة الماسة لوجود دورات تدريبية بشكل مستمر، تركز على هذا الجانب.

*تعقيب:

من خلال استطلاع آراء المدربين المذكورين في هذا التحقيق، نجد أن الجميع يؤكّد على أمرين أساسيين، وهما: ضرورة التوعية والتثقيف بهذا المجال لكل أطراف العملية الرياضية، وضرورة وضع ضوابط وآليات لضبط العلاقة بين المدرب والمتدرب، ووضع آليات واضحة للشكاوى وأساليب تلقيها ومتابعتها ومعالجتها، وهو أمر يبدو غائباً بشكل كلي عن قطاع الرياضة الرسمي منه والخاص، وإذا كانت هذه الأمور المهمة من مسؤولية الاتحادات الرياضية والأندية، فإن موضوع التوعية هو مسؤولية المجتمع بمختلف قطاعاته، ومسؤوليتنا نحن على وجه الخصوص، العاملين في مجال رعاية الطفولة والأسرة، وحماية الأطفال والدفاع عن حقوقهم، وهذا يلقي على عاتقنا وعاتق الجميع مسؤوليات وواجبات علينا جميعاً أن نتفانى في القيام بها على أكمل وجه.

*إعداد: خولة حسن الحديد.